الخروج إلى الطائف والإسراء والمعراج 24 ذو الحجة, 1422
الحمد لله رب العالمين ، أحمده على نعمه التي لا تحصى عددا ، وأعظمها نعمة بعثة سيد الأولين والآخرين للناس كافة ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الذل إلى العزة ، فلك الحمد يا رب العباد ، على أن جعلتنا من أمته ، وأشهد أن لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أشرف العالمين نسبا ، وأحسنهم خُلُقا ، وأجملهم خلقا ، وأطهرهم قلبا ، وأزكاهم نفسا ، وأفصحهم منطقا ، وأقربهم إلى الله مقاما ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يتجدد بها إيمان المؤمنين ، وتنشرح بها صدور المكروبين ، وتنقشع بها الغمة عن هذه الأمة يا رب العالمين . " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " ( لقمان : 33 )
أما بعد : أيها المؤمنون أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم : عشنا في خطب ماضية مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالخصوص مع الحصار الاقتصادي الظالم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، وعشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حزنه لوفاة الرجل النبيل أبو طالب، ووفاة زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، ويبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا مرحلة جديدة يقرر فيها أن يدعوا خارج مكة فيخرج إلى الطائف سيراً على قدميه مسيرة ستين ميلاً ما خرجها إلا إرضاء لربه وتبليغاً لدينه وإذا مر في طريقه على قبيلة لم يأل جهداً في دعوتهم لهذا الدين . ويصل الطائف ويلتقي بسادتها فيدعوهم إلى هذا الدين فيردوا عليه رداً منكراً ، ويغلظوا في القول بما لم يكن يتوقعه . فيصبر ويمكث في الطائف عشرة أيام راجياً أن يخرج أحداً منهم يوحد الله فما ازدادوا إلا سفهاً حتى أغروا به سفهاءهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويصيحون به، وبلغ بهم الأمر أن يرموه بالحجارة فيدموا قدميه الشريفتين ، يا الله ما أقسى هذه القلوب وما أسفه هذه العقول ، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حائط لعتبة وشيبة ابن ربيعة ويجلس عنده ويدعوا بدعائه المشهور الذي امتلأ حزنا " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك "، " ويراه ابنا ربيعة فيأمرا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس بأخذ قطف من العنب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذه ويضعه بين يديه فلما مد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إليه قال : بسم الله ثم أكل ، فقال له عداس : إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أي البلاد أنت وما دينك فقال : أنا نصراني من أهل نينوى فقال له الحبيب صلى الله عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى . قال له : وما يدريك ما يونس بن متى : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أخي كان نبي وأنا نبي ، فأكب عداس علي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها .
نعم ، لقد عرف من هو هذا الرجل ، لقد أخبره بمعالم يعرفه أهل تلك المناطق، ولا يعرفه إلا رجل موحى إليه . عندما رأى ذلك ابنا ربيعة قال أحدهما للآخر لقد أفسد عليك غلامك ؟ فلما جاء عداس قالا له : ويحك ما هذا : قال يا سيدي ، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي ، قالا له : ويحك يا عداس ،لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه " . أخرجه ابن إسحاق بسند صحيح .
أيها المسلمون يريد الله سبحانه وتعالى أن يخفف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسخر له عداس ردا إلهيا على أولئك السفهة ، ثم وهو في طريقه إلى مكة يأتيه جبريل فيقول : إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، ويناديه ملك الجبال فيسلم عليه ويقول : يا محمد إن شئت أطبق عليهم الأخشبين - وهما جبلان بمكة فماذا يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل يقول : نعم لقد حانت فرصة الانتقام ، هل تتحرك في نفسه شهوة الغضب : لا ، حاشاه حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم .يجيب بقول كله رحمة وشفقة على أمته " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا " رواه البخاري و مسلم .
الله الله ، ما أعظم هذا الخلق ، قوم أغروا به سفهائهم فجعلوا يسبونه ويرمونه بالحجارة ويدمونه ولا يرجوا لهم إلا الخير ، هذا مما يدلك على عظيم خلقه وصدق الله تعالى : " وإنك لعلى خلق عظيم " ( القلم : 4 ) ويدلك هذا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قادر أن يرد على المشركين الصاع صاعين ، لكنه رحيم بهم رؤوف صبور ، لعل الله أن يخرج منهم موحدين ، وليعلم أمته من بعده على تحمل الشدائد في سبيل هذا الدين وهذه الدعوى فطريق هذا الدين صعبة ، ولو كانت سهلة لكانت على أحب خلق الله تعالى إليه .
أيها المسلمون ويريد الله سبحانه وتعالى أن يكرم نبيه وأن يجدد عزيمته وثباته، وأن يبين له أنه دائماً معه ناصره وحاميه فتكون حادثة الإسراء والمعراج .
فبينما هو في المسجد الحرام إذ جاءه جبريل ومعه البراق فانطلق به إلى بيت المقدس مهبط الديانات وملتقى الأنبياء ، ويصلي بالأنبياء هناك إماما دالا على أن الإسلام هو رسالة الله سبحانه السماوية الأخيرة ، وأنه أفضل النبيين وخاتمهم ، ويعرض عليه صلى الله عليه وسلم اللبن والخمر ، فاختار اللبن فيقول له جبريل : أصبت الفطرة ، أما أنك لو أخذت الخمر غوت أمتك . ويعرج به جبريل من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، ويستفتح جبريل فيفتح له ، ويرى هناك آدم أبو البشر فيسلم عليه ويرحب به ، ويرى في الثانية سيدنا يحيى ابن زكريا ، وسيدنا عيسى ابن مريم عليهما السلام فيسلم عليهما ويرى كذلك يوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة وموسى في السادسة ، وعندما جاوزه بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك ، فقال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي . ويرى إبراهيم في السابعة ، ثم ترفع له سدة المنتهى، ويرى البيت المعمور ثم يوحي الله سبحانه إليه ما يشاء ويفرض عليه خمسين صلاة فيرجع ويمر بموسى فيسأله : بما أمرك ؟ قال : بخمسين صلاة ، قال : إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فسأله التخفيف لأمتك ، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره فأشار أن نعم إن شئت ، فيرجع إلى ربه فيضع عنه عشرة . ثم لم يزل كذلك حتى جعلها خمسة ، فأشار عليه موسى عليه السلام بالرجوع فقال له : قد استحيت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم ، فنادى مناد : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي .
أيها المسلمون
اختار الله سبحانه وتعالى بيت المقدس ليكون مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة على ارتباطه الوثيق بالمسجد الحرام، وعلى أهمية هذا البيت بالنسبة لهذا الدين ولأهله ، ويصلي فيه بالأنبياء إماما ، ليدل على أن رسالتهم واحدة ذات دين واحد وهذا فيه دلالة على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت ، من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة ، وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين ، وكأن الحكمة الإلهية تهيب المسلمين في هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة وأن يطهروها من رجسهم ، ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين ، وبهذه المناسبة عباد الله نسأل الله عز وجل أن يكلل جهود ولي عهدنا في القضية الفلسطينة بالنجاح والتأييد ، وأن يمن على خادم الحرمين بالشفاء والعافية .
أيها المسلمين ونعود إلى حديثنا ففي رحلة المعراج رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالكا خازن النار وهو لا يضحك وليس على وجهه بشر ولا بشاشة ، ورأى الجنة والنار ورأى أكلة أموال اليتامى ظلما لهم شفاه كشفاه الإبل الغليظة، ويقذفون في أفواههم قطعا من نار كالأحجار فتخرج من أدبارهم ، ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم ، ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن الرائحة يأكلون من الغث المنتن ويتركون الطيب السمين .... ورأى كل هذا وذكر لأمته محذراً لهم مشفقاً عليهم .
أيها المسلمون ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرحلة في مكة ويخبر قومه بما رآه فيشتد تكذيبهم له وضراوتهم عليه . وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فيجليه الله تعالى له ويعاينه ، فيخبرهم به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس ، فطفقت أخبارهم عنه آياته وأنا أنظر إليه " ، رواه البخاري .
وما ازدادوا بهذه البينة إلا تكذيب وإلحاد وأما صديقه الحميم أبا بكر فجاءه أناس يذكرون له الإسراء فقال أشهد أنه صادق ، فقال تصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة ؟ فقال : نعم إني أصدقه بأبعد من ذلك ، وأصدقه بخبر السماء قال : فسمي بذلك الصديق موقفان متقابلان هذا يطلب بينة وأدلة على الصدق وتأني تلك البينات القاصمة ولا يؤمن ولا يصدق عنادا، وهذا يصدق دون بينات ودون أدلة لعلمه من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويخلد اسمه في التاريخ بالصديق .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
*************
أيها المسلمون
هذه كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة لا راحة ولا استقرار ، ابتلاء وابتلاء ولكن الله سبحانه كان يسري عنه ويزداد يقيناً بنصر الله تعالى له ، وليعلم أن مع العسر يسرا ، والله سبحانه الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل .